ابن المقفع
262
آثار ابن المقفع
فقال الناسك له : ما أخلقك ان تقع مما تركت من كلامك وتكلفت من كلام العبرانية في مثل ما وقع فيه الغراب . قال الضيف : وكيف كان ذلك ؟ مثل الغراب والحجلة قال الناسك : زعموا ان غرابا رأى حجلة تدرج وتمشي فأعجبته مشيتها وطمع ان يتعلمها ، فراض على ذلك نفسه فلم يقدر على إحكامها وأيس منها وأراد ان يعود إلى مشيته التي كان عليها ، فإذا هو قد اختلط مشيه وتخلع فيه وصار أقبح الطير مشيا . إنما ضربت لك هذا المثل لما رأيت من أنك تركت لسانك الذي طبعت عليه ، وأقبلت على لسان العبرانية وهو لا يشاكلك وأخاف ألا تدركه وتنسى لسانك وترجع إلى أهلك وأنت شرهم لسانا ، فإنه قد قيل : إنه يعد جاهلا من تكلف من الأمور ما لا يشاكله وليس من عمله ، ولم يؤدبه عليه آباؤه وأجداده من قبل ، ولم يعرف به أحد من أهله وذوي قرابته ، فإن العاقل لا يتعدى طوره . والولاة ، أيها الملك وأرباب الأمر أولى بالانتباه إلى هذا الشأن ومنع حدوثه بين الناس ، لأن فيه مضرة لهم بما يجرىء الأنفس على منازعتهم في منازلهم ، ويغريها بمقاومتهم في احكامهم لما فيه من إطماع السفلة في مراتب أهل الطبقة العالية ومزاحمة اللئيم للكريم ، والجاهل للعالم والخامل للنسيب ، والدنيء للشريف ، إلى غير ذلك مما يفضي إلى تشوش العالم وفساد الأمور واختلاط الطبقات وضياع المراتب والأقدار . والأمور في ذلك كله تجري على مثال واحد ينتهي إلى الأمر الخطير الجسيم من مزاحمة الملك على ملكه ومضادته فيه .